سيد قطب

1224

في ظلال القرآن

ثم يأخذ السياق في مواجهة دقيقة يتتبع بها مكامن الأوهام الجاهلية ، ليلقي عليها الضوء ، ويستعرضها واحدا واحدا ، وجزئية جزئية ؛ فيكشف فيها عن السخف الذي لا يمكن تعليله ولا الدفاع عنه ؛ والذي قد يخجل منه صاحبه نفسه ، حين يكشف له في النور ؛ وحين يرى أن لا سند له فيه من علم ولا هدى ولا كتاب منير : « ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ : مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ . قُلْ : آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ ؟ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ ؟ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ! وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ . قُلْ : آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ ؟ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ ؟ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا ؟ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ؟ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ » . . فهذه الأنعام التي يدور حولها الجدل ؛ والتي ذكر في الآية السابقة أن اللّه خلقها لهم ، هي ثمانية أزواج - وكل من الذكر والأنثى يطلق عليه لفظ زوج عندما يكون مع رفيقه - زوج من الضأن وزوج من المعز . فأي منها حرمه اللّه على أي من الناس ؟ أم إنه حرم أجنتها في البطون ؟ « نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » . . فهذه الشؤون لا يفتى فيها بالظن ، ولا يقضى فيها بالحدس ، ولا يشرع فيها بغير سلطان معلوم . وبقية الأزواج ذكر وأنثى من الإبل ؛ وذكر وأنثى من البقر . فأيها كذلك حرم ؟ أم أجنتها هي التي حرمها اللّه على الناس ؟ ومن أين هذا التحريم : « أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا ؟ » . . فحضرتم وشهدتم وصية اللّه لكم خاصة بهذا التحريم . فما ينبغي أن يكون هناك تحريم بغير أمر من اللّه مستيقن ، لا يرجع فيه إلى الرجم والظنون . وبهذا يرد أمر التشريع كله إلى مصدر واحد . . وقد كانوا يزعمون أن اللّه هو الذي شرع هذا الذي يشرعونه . لذلك يعاجلهم بالتحذير والتهديد : « فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ . إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ » . . إنه لا أحد أظلم ممن يفتري على اللّه شريعة لم يأذن بها ، ثم يقول : شريعة اللّه ! وهو يقصد أن يضل الناس بغير علم ، إنما هو يحيلهم إلى هدى أو ظن . . أولئك لن يهديهم اللّه ؛ فقد قطعوا ما بينهم وبين أسباب الهدى . وأشركوا باللّه ما لم ينزل به سلطانا . . إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ . . والآن وقد كشف لهم عما في معتقداتهم وتصوراتهم وتصرفاتهم من وهن وسخف وهزال . وقد بين لهم أنها لا تقوم على علم ولا بينة ولا أساس . وقد ردهم إلى نشأة الحرث والأنعام التي يتصرفون فيها من عند أنفسهم ، أو بوحي شياطينهم وشركائهم ، بينما هؤلاء لم يخلقوها لهم ، إنما الذي خلقها لهم هو اللّه ، الذي يجب أن تكون له وحده الحاكمية فيما خلق وفيما رزق ، وفيما أعطى من الأموال للعباد . . الآن يقرر لهم ما حرمه اللّه عليهم من هذا كله . ما حرمه اللّه حقا عن بينة ووحي ، لا عن ظن ووهم . واللّه هو صاحب الحاكمية الشرعية ، الذي إذا حرم الشيء فهو حرام ، وإذا أحله فهو حلال ؛ بلا تدخل من البشر ولا مشاركة ولا تعقيب في سلطان الحاكمية والتشريع . . وبالمناسبة يذكر ما حرمه اللّه على اليهود خاصة ، وأحله للمسلمين ، فقد كان عقوبة خاصة لليهود على ظلمهم وبعدهم عن شرع اللّه !